ابو القاسم عبد الكريم القشيري
258
لطائف الإشارات
فأجنبنا أن نعبد الأصنام لتكون النعمة كاملة . وفي قوله : « إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ » . . إشارة إلى هذه الجملة . قوله جل ذكره : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 40 إلى 41 ] رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ( 40 ) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ( 41 ) في قوله : « رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ . . » إشارة إلى أن أفعال العباد مخلوقة ، فمعناه اجعل صلاتي ، والجعل والخلق بمعنى ، فإذا جعله مقيم الصلاة فمعناه أن يجعل له صلاة . وقوله : « وَمِنْ ذُرِّيَّتِي » : أي اجعل منهم قوما يصلّون ، لأنه أخبره في موضع آخر بقوله : « لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » « 1 » ثم قال : « رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ » وهذ قبل أن يعلم أنه لا يؤمن . ويقال إن إجابة الدعاء ابتداء فضل منه . ولا ينبغي للعبد أن يتّكل على دعاء أحد وإن كان علىّ الشأن ، بل يجب أنّ يعلق العبد قلبه باللّه ؛ فلا دعاء أتمّ من دعاء إبراهيم عليه السلام ، ولا عناية أتمّ من عنايته بشأن أبيه ، ثم لم ينفعه ولا شفع اللّه له . ويقال لا ينبغي للعبد أن يترك دعاءه أو يقطع رجاءه في ألا يستجيب اللّه دعاءه ، فإن إبراهيم الخليل عليه السلام دعا لأبويه فلم يستجب له ، ثم إنه لم يترك الدعاء ، وسأل حينما لم يجب فيه . فلا غضاضة على العبد ولا تناله مذلّة إن لم يجبه مولاه في شئ ؛ فإنّ الدعاء عبادة لا بدّ للعبد من فعلها ، والإجابة من الحقّ فضل ، وله أن يفعل وله ألا يفعل . قوله جل ذكره : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 42 إلى 43 ] وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ( 42 ) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ( 43 ) هذا وعيد للظالمين وتسلية للمظومين ؛ فالمظلوم إذا تحقّق بأنه - سبحانه - عالم بما يلاقيه من البلاء هانت على قلبه مقاساته ، وحق عليه تحمله .
--> ( 1 ) آية 124 سورة البقرة .